موضوعات المجلة

أزمة المياه في شمال أفريقيا… التحديات … والحل !

محمد عبد المنصف
مصر.
أعلنت الأمم المتحدة إقليم شمال أفريقيا أكثر أقاليم العالم جفافاً حيث تحاصره الصحراء الكبري بدايةً من البحر الاحمر الي المحيط الاطلسي، دون أن تتوسطه أي مجارٍ مائية باستثناء نهر النيل في مصر، ولهذا فإن مصير سكان الإقليم قد تداخل في مصيرٍ واحد نتيجة معاناتهم من الجفاف الحاد الذي تعانيه كل دول جنوب المتوسط.
وقبل أن نتحدث عن الحل العملي للمشكلة لابد أولاً أن نلقي نظرةً على واقع هذه الدول.
فالاقليم يبدأ من مصر التي تغطي الصحراء 95% من مساحتها، فيما يغطي مجري النيل 5% الباقية، وتعتمد في تدبير مواردها المائية أساساً علي حصتها من مياه النيل التي تقدر ب55.5 مليار متر مكعب سنوياً، إضافةً إلي الآبار الجوفية ومياه الامطار، وهي موارد ضعيفة، لهذا نجد نصيب الفرد سنوياً من المياه 570 متر، بينما يُقدّر حد الفقر المائي بنحو ألف متر مكعب، أي ان نسبة العجر المائي بها 43% يتم تعويضها بإعادة استخدام المياه أكثر من مرة، إضافة الي استيراد 34 مليار متر من المياه الافتراضيه في صورة مواد غذائية ولحوم وخلافه .
وبالتوازي، فإن ليبيا هي الأخرى تعاني ندرةً غير طبيعية في الموارد المائية، حيث أدي مناخها الصحراوي إلي حرمانها من مميزات مناخ البحر المتوسط نظراً لضعف كميات الأمطار المتساقطة علي أراضيها والتي تسقط خلال شهري اكتوبر وابريل، ويُقدّر العجز المائي بها بنحو 4.8مليار متر مكعب سنوياً .
وإذا حاولنا تفهم التركيبة الديمجرافية لليبيا فسوف نجد أن 80% من السكان يعيشون علي ساحل البحر المتوسط حيث الأراضي الصالحة للزراعة التي تفتقر بشده للمياه، فضلاً عما تعانيه من خطورة تملح الآبار نتيجة السحب غير الآمن بصورةٍ أدت إلي زحف مياه البحر علي الأراضي مؤدية إلي تدهور خصائصها، فيما يعيش 20% من جملة السكان جنوب البلاد حيث يوجد مخزون ضخم من المياه الجوفية غير أن أراضيها غير صالحة للزراعة بسبب كثرة الرمال بها .
وعندما حاولت الحكومة الليبية نقل السكان من الشمال إلي الجنوب فشلت التجربة اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً، فاتخذت قراراها بانشاء النهر الصناعي لنقل المياه الوفيرة من الحنوب الي الشمال لسد الاحتياجات المتزايدة من المياه، وإعطاء فرصة للآبار الشمالية كي تستعيد عافيتها.
فإذا انتقلنا إلي تونس الخضراء نجد أن إجمالي مواردها المائية 4.8مليار متر مكعب منها 2.7 مليار من المياه السطحية، و2.1 مليار متر مكعب من المياه الجوفية، ولا تغطي 50% من احتياجاتها، ولهذا فإن متوسط نصيب الفرد من المياه أقل من 500 متر مكعب سنوياً، وتسعي لحل الأزمة بدخولها بقوة عالم تحلية مياه البحر وتدوير مياه الصرف الصحي وتعد تونس البلد العربي الرائد في استخدام مياه الصرف في الزراعة، وتسعى لإنشاء محطات معالجة رباعية للاستفادة من هذه المياه في الاغراض المنزلية.

تأتي بعد ذلك الجزائر التي تقّدر مواردها المائية بنحو 17.2مليار متر مكعب سنوياً، ولا تتعدي حصة الفرد هناك من المياه 459 متر مكعب سنوياً، ومن المتوقع تراجع نصيب الفرد من المياه إلي 330 منتر فقط عام 2020 نتيجة زيادة عدد السكان إلي 45 ملايين نسمة يحتاجون الي حوالي 2.7 مليار م3 من المياه الاضافية، ويبقي أقصي أمل للجزائر في رفع نصيب الفرد إلى 500 م3 اي 50% من المعدل العالمي، من تنفيذ سلسلة مشروعات لحصاد مياه الأمطار وتحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي.
وأخيراً المغرب الذي يعاني شعبه الذي وصل تعداده الي 37 مليون نسمة فانخفض نصيب الفرد من المياه إلي 540 متر مكعب، وبالتالي يعيش هو الآخر أزمة نقص المياه، ويعتمد علي تحلية مياه البحر لمواجهة ذلك العجز، والاعتماد علي مياه الصرف الصحي في ري 7 آلاف هكتار، وهناك سلسلة مشروعات لربط أنهار المغرب الخمسة بعضها ببعض حتي لا تفقد مياهها في البحر.
والواقع أن كل المشروعات المطروحة لمواجهة الأزمة التي تهدد الحياة البشرية في الإقليم تستلزم غير كافية لتقديم حلولٍ جذرية لمشاكل المياه في الإقليم، ولا بد من البحث عن مصدر دائم للمياه من خلال مياهٍ سطحية، ويكفي أن أشير هنا إلى أن نهر الكونغو الذي ينبع من زامبيا ليمر بعدة دول قبل أن يخترق الكونغو الديمقراطية يصب في المحيط الأطلسي حوالي 1248 مليار متر مكعب سنوياً دون أي استفادة تذكر منها، وهي مياه تكفي لتغذية كل دول شمال أفريقيا، وإعادة التوازن المائي لشرق افريقيا التي ستعاني من شح المياه طوال القرن الحادي والعشرين .
وبالرغم من أن الأعراف الدولية لا تسمح بنقل المياه من حوض لآخر حتى داخل نفس الدولة فضلاً عن الاختلاف الكبير في منسوب الأراضي بين هذه الدول، وأن الدستور الكونغولي ينص علي عدم نقل مياه النهر خارج الحدود، إضافة إلي صعوبة تطبيق الفكرة إلا أن كل المشاريع التي غيرت وجه الحياة علي سطح الأرض كانت أحلاماً بعيدة المنال في يومٍ من الأيام ثم اصبحت حقيقةً لا مجرد خيال .
ويؤكد علماء الجيولوجيا أن نهر الكونغو كانت له روافد تصل إلي ليبيا ومنها إلي مصر مروراً بتشاد قبل ملايين السنين، وأغلب الظن أن حل أزمة المياه في شمال افريقيا لا يمكن التعامل معها دون الأخذ في الاعتبار التكامل مع حوض النيل بصرف النظر عن أن مصر إحدي دول ذلك الحوض، فالمشروعات التي لا تحقق مصالح الجميع تنتهي الي الفشل .
ونظرأ لأن مثل هذه المشاريع تتطلب تمويلاً غير عادي، فربما كان استغلال مساقط النهر المائية في توليد طاقة كهربائية نظيفة يقدرها العلماء بحوالي 122 مليون كيلو وات بداية طيبة لإنشاء شبكات الربط الكهربي بين هذه الدول والاتحاد الأوربي لتمويل باقي المشروع لأن تنمية الإقليم لا يمكن أن تتم إلا بصورةٍ متكاملة وبالتعاون مع النظام العالمي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*