موضوعات المجلة

أول الغيث.. كلمة. ……..جواد أصيل يولد الآن

بقلم : رئيس التحرير

إن “شمس الدين” يرثي نهاية دولة، لكننا في عددنا الأول هذا نتكيء على نفس البيت لنؤسس لنهضة ثقافة، وما أبعد الفارق بين مشهدين.
إن لميلاد مشروع ثقافي متعدد الجوانب، لسانٌ ينطق، ولغة تصلح للخطاب، ومنهج جدير بأن يخط حروف كلامه ولو كانت الحروف عملاً لا يتوقف، واللغة جهد لا يعرف الكلل، واللسان مثابرة لا تهدأ، فهل يمكن لنا الآن أن نحدثكم عن مشروعنا الطموح ؟
إننا نبدأ هنا سطرنا الأول في حلمٍ كبير، فالتأسيس لمشاريع كبيرة تعتمد في نشأتها وازدهارها وآليات عملها على فعل الكتابة الذي يليه بالضرورة فعلٌ موازٍ هو القراءة، هو بالتأكيد منعطف بالغ الأهمية لا ينبغي التقليل من ضرورته في هذا التوقيت بالذات .
منذ سنوات طويلة مضت، أو لنقل، منذ عقود، كانت هناك مشاريع كبيرة، ينبغي لنا أن لا ننكر هذا، وأن لا نبدأ من الصفر في كل مرة متجاهلين ما بذله غيرنا من جهود، فلا أحد يستطيع أن ينكر مشاريع ليبية كبيرة كمجلة “الثقافة العربية”، ومجلة “الفصول الأربعة”، ومجلة “لا”، وما أنتجته من مشهدٍ يستحق الدراسة، وما قدمته من توثيق لا غنى عنه للدارس والباحث والمتابع والشغوف.
كلها كانت مشاريع طموحة، لكن تواضع الامكانيات المادية اضاف إلى طموحها كلمة “صعوبات”، وعلى الرغم من الجهد البطولي لمن قاموا بها، إلا أن ضيق ذات اليد كان يغلب شجاعة الإبداع في كل مرة .
لكن هذا ليس كل المشهد، إنه فقط جانب واحد من لوحة الفسيفساء الكبيرة هذه، فأنا اعتقد أن لكل مشروع ثقافي عربي مهمة جليلة وضخمة ومرهقة، ربما لا يجدها غيره من الذين يتصدون لأمثال هذا المشروع في القارة اوربية مثلاً، إنها مهمة أن يقنع الناس مجدداً بجدوى القراءة، و يا لها من مهمة صعبة وتحدٍ أصعب.
“العرب أمة لا تقرأ”..
تكاد هذه العبارة تشكل قانوناً لا يدري المرء كيف يتعامل معه، ولا كيف يقوم بتصنيفه، فهل أن هذه العبارة قانون راسخ لا مجال لتغييره؟، أم أنها واقع حالٍ لا جدوى من إنكاره؟، أم هي جملة متجنية تنكر حقيقة قائمة وتطمسها بلا أدنى إحساسٍ بالذنب ؟
“العرب أمة لا تقرأ ” ..
إن الأرقام بهذا الخصوص هي أرقام صادمة بكل المقاييس، فحسب إحصائيات موثقة لمنظمة اليونسكو، وكذلك تقرير التنمية البشرية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً مقابل 200 ساعة للأوربي، ويقرأ ربع صفحة سنوياً مقابل 11 كتاباً يقرأها الأمريكي، و7 للألماني والبريطاني.
ولكي نقترب أكثر من صعوبة المهمة، علينا أن نعرف أن الإنفاق على شراء الكتب هو البند الثاني في اليابان مباشرةً بعد بند الإنفاق الصحي، وأن نسبة المطالعة عند الكوريين عام 2014 وصلت إلى 90% مثيرة بذلك إعجاب العالم كله، ما عدا الباحثين والاجتماعين الكوريين الذين اعتبروا عدم وصولهم إلى النسبة المئوية الكاملة إخفاقاً لا مبرر له.
وللمزيد من الاقتراب من هاوية الحقيقة هذه، ربما يجب علينا أن نعرف أن كتاباً شهيراً مثل كتاب “تاريخ موجز للزمان” للعالم الراحل “ستيفن هوكنج”، والذي تصدر أرقام المبيعات في أوربا لمدة 237 اسبوعاً متتالية، محطماً كل الأرقام التي سبقته، بحيث وصف بأنه الأكثر مبيعاً في تصنيفه على مستوى العالم كله، هذا الكتاب بالذات عندما تم عرضه للبيع في الوطن العربي لم يستطع أن يبيع سوى 1100 نسخة رغم مرور أكثر من عام كامل على نشره.
وإذا علمنا كذلك أن كتاباً ذائع الصيت عظيم الأهمية، مثل كتاب “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”، الذي فاق كل ما كُتب في علم الاقتصاد منذ عشرات السنين، إلى درجة أنه تفوق على ما كتبه “آدم سميث”و”كارل ماركس”، في كتابيهما “ثروة الأمم”و”رأس المال”، وتمت ترجمته إلى 31 لغة، وبيعت منه ملايين النسخ، هذا الكتاب عندما تمت ترجمته إلى العربية بواسطة “دار التنوير” لم يبع منه في الوطن العربي أكثر من 1000 نسخة رغم مرور ستة أشهر على عرضه .
أرقام مفجعة، بل هي كارثية بجميع المقاييس، ولو أن أحدهم أراد الاحتجاج بأن هناك روايات وكتباً عربية قد لاقت اقبالاً كبيراً ونفذت عدة طبعات لها، فإننا نرد عليه بأن هذه الحالات فردية ولا يُقاس عليها، ثم أن الأسباب الموجبة لانتشار كتاب ما في الوطن العربي أصبحت هي الأخرى طرفاً في هذه المعضلة الصعبة، فليس من سببٍ صار يدعو إلى تزايد مبيعات كتاب ما إذا لم يكن السبب متعلق بإعلامٍ مهّد لذلك بنشر أخبار عن مخالفة الكتاب لثوابت الدين مثلاً، أو لأن هذا الكتاب يحتوي على مادة مثيرة للغرائز، أو أنها رواية جريئة بشكلٍ أو بآخر، ولعل في رواية “وليمة لأعشاب البحر” للسوري “حيدر حيدر”، خير مثال على ذلك، فالرواية التي صدرت عام 1983م.، لم تلفت نظر أحد، وظلت كماً مهملاً على أرفف المكتبات، حتى تم إعادة طبعها بعد 17 عاماً كاملة في القاهرة، وعندها أصدر “الأزهر” بشأنها قراراً بمنع النشر بداعي الإساءة إلى الاسلام، وعلى الفور تحول إليها اهتمام الناشرين والنقاد، واصبحت في لمح البصر سلعةً مطلوبة وموضوعاً مفضلاً لكل من أراد أن يشتهر ناقداً أو محللاً أو مهاجماً أو مدافعاً ، بغض النظر عن القيمة الأدبية والفنية لمحتوى هذه الرواية.
إن أسبابنا الداعية إلى القراءة إذن هي أسباب مؤقتة، عارضة وعرضية، تزول بمجرد زوال الأمر الطاريء الذي استدعى وجودها، ولذلك لن نتمكن ابداً من معالجة الخلل، لأننا لا ننتهج في سبيل ذلك منهجية ثابتة تعالج السبب ولا تنشغل بالنتيجة.
نحن إذاً أمةٌ لا تقرأ، وإذا حدث ووجدتها تقرأ، فابحث عن السبب، وستجده طارئاً كفقاعة هواء سرعان ما تزول إذا زال السبب لنعود إلى وضعية عدم القراءة من جديد.
على أن مشكلة أخرى تطرق باب هذا الحوار المليء بالشجن، وتكاد تطرح نفسها سبباً يُضاف إلى اسباب ما نحن فيه من تدنٍ في مستوى قدرة العربي على ممارسة القراءة كفعل معرفة لا فعل واجب . إنها مشكلة الترجمة التي كان العرب قد بدأوها زاخرةً مفعمةً بالحياة منذ بدايتها الفعلية في أواخر عهد الدولة الأموية، وازدهرت بعد ذلك في عهد العباسيين حيث ترجمت إلى العربية مئات المصنفات في الرياضيات والفلك والطب والفلسفة، حتى أن عهد المأمون غدا مثالاً نموذجياً للمعرفة عندما تجد من يقدرون تواجدها، ويسعون إليها في منابعها ليسوقونها طائعة مختارةً بلغتهم هذه المرة لا بلغة أصحابها الأصليين.
لكن هذا كله اصبح من الماضي الآن، فالأرقام الصادمة تعود من جديد لتخبرنا أن ما تمت ترجمته إلى اللغة العربية منذ عصر الخليفة المأمون إلى اليوم لم يتجاوز العشرة آلاف كتاب، وهو عدد يساوي ما تترجمه اسبانيا في سنة واحدة الآن، وأن ما تترجمه الدول العربية مجتمعة في السنة الواحدة لا يعادل خمس ما تترجمه اليونان في العام الواحد.
تريدون المزيد من الصدمة ؟ حسناً، إن متوسط ما يترجمه العالم العربي على مدى خمس سنوات هو 4.4 كتاب مترجم لكل مليون مواطن عربي، بينما يصل متوسط الترجمة في هنغاريا يصل إلى 419 كتاب لكل مليون مواطن هنغاري في نفس الفترة . ولا حظوا أننا نتحدث عن بلغاريا وليس عن السويد أو سويسرا .
إن مجمل الكتب العربية المترجمة خلال عشر سنوات لا يعادل نسبة 1% من الكتب الصادرة سنوياً في الولايات المتحدة وحدها.
هذا غيض من فيض في مشكلة الترجمة التي تحتاج إلى مقالة خاصة بها، ولا يليق أن نفرد لها مجرد هامشٍ على متن حديث متخم بالوجع كهذا الحديث.
نحن إذاً نخوض التحدي الصعب، ولا نريد أن نتشاءم فنصفه بالمستحيل، وإلا فقدنا مبرر وجودنا هنا، فإصدار مطبوعة منوعة تنتهج مبدأ الحوار واحترام الآخر، في زمنٍ أصبح الناس فيه يتقبلون تماماً فكرة التشنج تعويضاً عن منهج الاسترخاء، واسلوب التوتر عوضاً عن فن الهدوء، إن القيام بهذا الفعل في زمن كاللذي وصفناه ، هو بمثابة ترويض نمر هائج بحزمةٍ من الكلمات.
نريد نحن في مجلة “الليبي” أن نروض هذا النمر، ونحلم بترويج ثقافة القراءة بديلاً عن ثقافة العنف، ونسعى مخلصين إلى إرساء دعائم منهج المودة نقيضاً لشريعة الكراهية، ونعمل بجدية لنشر جدوى تبادل وجهات النظر بديلاً لعبثية الصراخ.
هذا هو مشروعنا، وهذه هي مشروعية وجود مجلة “الليبي”، وهي المطبوعة التي تريد أن تقدم للعالم من جولها الصورة الحقيقية لليبي المثقف الأديب المفكر الفاعل المتفاعل مع وسطه الاقليمي وجيرته الدولية وعمقه الافريقي.
“الليبي” مجلة التنوع بكل معانيه، و”الليبي” هي مشروع جديد يرغب حقاً في الاستمرار والتوهج، وهو لن يفعل هذا إلا .. بكم .
هذا ما نحلم به، لكننا لن نستغرق في النوم لنشاهد الحلم، بل سوف نمعن في اليقظة لكي نراه .
والله الموفق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*