موضوعات المجلة

كتبــوا ذات يوم ……يوسف بورحيل من بعد عمر المختار

مضت سنوات طويلة ولا يزال الإيجاز طابع ما كتب عن ذلك الصراع المرير الدامي الذي خاضه الشعب العربي في ليبيا خلال ثلاثين عاما، كانت كأنها ثلاثون قرنا .
جموع متلاحقة طوتها معسكرات الاعتقال ، وأعداد عديدة رُفعت على أعواد المشانق، وجماعات من ألوف روی دمها الطاهر ارض الآباء والأجداد في معارك رائعة ، حتى لم يبق في أرض ليبيا أرض لم تشهد مشنقة تنصيب أو حفرة فيها وارت شهيدا .
وأبطال كبار كانت لهم قصص كالأساطير ، ساروا مع ركب الجهاد منذ الغزو الإيطالي عام 1911 حتى آخر يوم فيه ، قرابة ربع قرن .
وسط هذا الجو الخانق في ليبيا كانت هجمات المجاهدين تقلق دوائر الاستعمار ، فمشاريعهم لخلق الإمبراطورية الرومانية معطلة ، والطريق الجبلي الممتد إلى حدود مصر مهدد بهجمات الذين يسيطرون عليه ويقع تحت ضرباتهم المفاجئة . وأنواع الانتقام التي ينزلها المستعمر بأصدقاء المجاهدين وأسرهم داخل المنطقة المحتلة لم توقف تيار الوطنية ولم تخِف المجاهدين من غياهب القبور .

ايطاليا تطلب المفاوضية
عندئذ اضطرت إيطاليا إلى الاعتراف بالوطنيين قوة محاربة، وبعثت بمندوبيها يطلبون موعدا للمفاوضات.
وفي سيدی رحومة على بعد110 کیلو مترات من بنغازي في شهر مارس من عام 1992 تلاقي الخصمان وجها لوجه ..المعدودين في ذلك العهد .
بعثت إيطاليا بحاكم ليبيا العام المارشال بادلیو ، أکبر قوادها وأشهرهم، يعاونه الحاكم العسكري لبرقة “میشیلیانی “، وحاكم الجبل العسكري ، “داووداشی ” ومجموعة من الضباط والمدنيين .
أما المجاهدون فقد بعثوا برئيسهم وقائدهم عمر المختار پساعده مستشاروه العالم يوسف بورحيل، أحد تلاميذ الجغبوب وعلمائه، و عبد الحميد العبار الذي رصدت إيطاليا خمسين ألف ليرة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، والفضيل بوعمر الفارس المشهور وأحد علماء الإسلام المعدودين في ذلك العهد.
شروط المجاهدين
وقدم المجاهدون شروطهم لإيطاليا : ، ، حرية من حدود تونس إلى حدود مصر. کیان عربي مستقل بلغته وقوانينه تسلح حر لا رقابة عليه ولا ممانعة ، الغاء القوانين التي صادرت الأملاك واغتصبت الأراضي وفرضت اللغة الإيطالية .
ومع هذه الشروط التي كانت عام 1929 هي كل أمل يمكن أن يسعى اليه المجاهدون المحاصرون بل الفدائيون المناضلون مع هذه الشروط اصر على إحضار مندوبين مصر وتونس العربيتين ليشهدا الاتفاق ويؤيدانه ولقد – وكان هذا الشرط تعلقاً قوياً بروح العروبة التي تجاهلت تماما وجود الإنجليز في مصر وفرنسا في تونس وطالبت ، بإحضار عربيين يمثلان الوجه الحقيقي لتونس ومصر، فالعروبة كانت هناك قبل الاحتلال , والعروية باقية لا ريب بعد الاحتلال.
هدنة انطوت على خداع
ووافق “بادليو” على الشروط متظاهرا بأنه يحتاج فقط لمراجعة الدوائر العليا بروما مطالبا بوقف اطلاق النار لمدة ستين يوما .
وكانت أول هدنة منذ عشرين عاما، ما كان أحوج العرب اليها ، وما أشوقهم إلى سلام يحقق آمالهم في خلق دولة عربية، واستعادة حق سليب.
وتجددت الهدنة أكثر من مرة ليصل رد إيطاليا مليئا بالحيلة والإغراء.

رد إيطاليا
هدنة استهلكت شهورا ستة لتعرض إيطاليا فيها قصرا فخما لعمر المختار بالجبل الأخضر ،وليتخذ فيه من رفاقه في الجهاد حرسا خاصا يحميه ويرعاه . وراتب كبير له ولمستشاريه وإباحة لقراءة القرآن بالزوايا السنوسية.
المجاهدون يحملون سلاحهم من جديد
كان هذا الرد قاسياً جداً على نفوسٍ أبية لم يجل بخلدها أن ترضى لنفسها بقصر ومرتب وحرس، وأن تتناسى حرية للشعب، وحقوقاً للوطن وضماناً لأجيالٍ عربيةٍ متلاحقة.
واتجه عمر المختار المستشاريه ورفاقه ، وفي وجهه خيبة الأمل ومرارة الألم وفي نظرته العزم وصلابة اليقين مناشداً عزائمهم للعمل والجهاد من جديد .
وتجمعت الكثرة المخلصة منهم حول “يوسف بورحيل” الذي بدأ يسطر نشرة وطنية تحمل رداً من عمر المختار على المندوب الإيطالي وعروضه .ولقد سرت هذه النشرة بين جموع الشعب ومنتجعات البادية حتى نشرت في صحافة القاهرة عام1929 .
“وليعلم كل وطني أن غرض ايطاليا هو بث الفتن لتمزيق شملنا ، وتمديد الهدنة لكي نستمریء الراحة ،و لتقضى على حركتنا الوطنية ، فلتعلم إيطاليا أن هذا الوطن عربي وسيبقى عربياً ما بقيت أرضٌ وسماء ، واننا سندافع عن كياننا فداءً للوطن وفي سبيل غاياتنا المنشودة ”
“يا أبناء وطني في طرابلس وبرقة، لن نرضخ للطغيان ، وإن هي الا إحدى الحسنيين ، عيش الرجال أو موت الأبطال ، واني أعتبر يوم 15 سبتمبر 1929 آخر يوم للهدنة ولإجابة مطالبنا”
ومن جديد امتشق المجاهدون سلاحهم وعادت ، ما كان عشرين عاماً، ما كان معاركهم وبدأت الطائرات تلقى عليهم قنابلها المدمرة وتلقي بعدها المناشير الداعية لإلقاء سلاحهم . وعبثاً حاول المستعمر إذابة روح الجهاد وإثناء المجاهدين عن إقلاقه وتكبيده خسائر كبيرة مستمرة.

السفاح جرازیانی وأهرامات العظام
لئن أسمت الأمة العربية “جمال باشا” الحاكم التركي للشام في الحرب العالمية باسم “جمال السفاح” لما ارتكبه ضد الأحرار من أحكام الإعدام والاستبداد، فانه خلیق أيضاً بشباب العرب أن يعلموا أن شعبهم في ليبيا قد أصيب أيضاً بسفاح أخطر فيما بين عام 1930 وعام 1934 . ذلك أن المارشال بادلیو لم يستطع أن يضع نهاية للحرب في ليبيا، وهي حرب استنزفت ميزانية ايطاليا وسحقت كثيراً من فرقها العسكرية، فبحث موسليني عن أكثر رجاله قسوة وأقدرهم على الخسف والاستبداد، فوجه الجنرال جرازیانی ليكون حاكما لبرقة . وجاءها في مظهر الحانق الغاضب ، يستسهل نصب المشانق لأدنى سبب ، ويلذ له جمع المدنيين والمعتقلين والعرب وهم شاكو السلاح ويصب عليهم عباراته القادحة الأليمة.
المحكمة الطائرة
ولعله من نوادر التاريخ ما يجب أن يعلمه العرب عن قصة (المحكمة الطائرة). فقد بلغ من ارهاب هذا السفاح أن عين قضاة عسكريين ترافقهم مشنقة، وتهبط الطائرة بهم في أي قرية أو منتجع. وتنصب المشنقة،وتدلي حبالها،بعد ذلك يجلس قضاتها لنظر القضايا التي تنتهي حتماً بالإعدام فرراً.
لقد أخذ هذا السفاح على نفسه انهء الثورة بالإبادة والقمع كيفما كانت الوسائل،فأشاع في الوطن موجة ارهاب مرير . وكان يكفي عنده للإعدام ومصادرة الاملاك وتشريد الاسر ان يبدي المواطن عدم رضاه عن الحالة أو أن يسر لاحد بنصر احرزه المجاهدون.
واخيراً عمد جرازياني الى حل خطير ..
أسلاك شائكة تفصل ليبيا عن مصر ومعسكرات للإبادة
كيف يتمون المجاهدون ، ومن أين يعيشون ؟ انهم يعتمدون على غنائمهم ، ومن عون الشعب في المناطق المجاورة ، وعلى ما يتسرب لهم من الجارة الكريمة مصر ، اذن فالحل عند السفاح جرازیانی هو أن يمد اسلاگا شائكة مكهربة من ساحل البحر الى قلب الصحراء على امتداد ثلاثمائة كيلو متر. وحرسها بالجنود والمصفحات فقطع بذلك الصلة بين المجاهدين وبين الكنانة ، وقد كانت لهم عونا ، ولهم فيها أحباب وأمل . وأصدر أمرا جديدا : انشاء معسكرات صحراوية تضم فيها القبائل، سواء ما كان منها قريبا من مناطق الجهاد أو بعيدا عنها . وأقيمت المعتقلات في المقرون ، وسلوق ، واجدابيا ، والعقيلة ، والبريقة ، وأحيطت بأسلاك شائكة حتى لا يغادرها أحد.
وسلط عليهم الجند يوکزونهم بالحراب ، ويضربونهم بالسياط ، ويذلون أشرافهم في قساوة وغلظة بسالة، وأخذت القبائل القاطنة بالجبل الأخضر ، رجالا ونساء وأطفالا ، مع مواشيها إلى هذه المعسكرات حيث الصحراء والرمال ، وفرضت على الجميع حياة شاقة كئيبة : غداء من شعير غير مطحون ، وماء يوزع لا يكفي ري ظمآن ، وتجميع” لا سعة فيه ولا هواء .بالتحديد العرب ، ويحيطهم بالجند وهم شاکو السلاح ، ويصب عليهم عباراته القادحة الأليمة .
وكان طبيعيا أن تحصد الأوبئة هذه النفوس ويسأل السفاح كم الموتى اليوم فيقال له مائة ، فيجيب : مائة فقط ؟ الطريق مازال طويلا ، ولم يكن هدف جرازیانی وسادته الفاشست القضاء فقط على الثورة ، فان حصر سكان الجبل الأخضر بعيدا عن المحاربين ، ومد الأسلاك بينهم وبين مصر ، كان كافيا لعزلهم عن أي عون من الداخل ومن الخارج ، وكان الهدف ابادة هذا الجنس العربي ولهذا اخذت للمعتقلات كل القبائل واختطف من المدن أسر بكاملها ممن يمتون للمجاهدين بصلة القرابة أو الصداقة وبعد سنوات لم يعد من الجموع البريئة الى مواطنهم الا آلاف قليلة .
وبقيت في العقيلة وغيرها أكوام عالية من عظام تشهد على الاستعمار بانه جريمة أوربا في تاريخ الحضارة ، وتبعث في قلوب الأحرار نارا لا تخمد تضيء طريق الحرية وتحرق كل خيانة .

بورحيل يخلف البطل الأسير
هكذا كانت حال الشعب العربي في ليبيا عام 1931 . شعب” محاصر بقوات اكثر منه عددا وعدة ، وأكثر كثيرا ، ووطن معزول ، بالحرس الأسلاك والكهرباء ، عن مصر الموطن الوحيد الذي يمثل العون الدائم في الغذاء والسلاح ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، احاطهم بهم الفقر والعوز من كل جانب ومع هذا استمروا في جهادهم يحاربون الآلام ويحاربون الأعداء-وفي معركة باسلة قرب مدينة البيضاء سقط القائد الشيخ الذي جاوز الثمانين عاما جريحا واسيرا ثم اعدم في 19 سبتمبر سنة 1931 شهيدا . إنه عمر المختار.
واجتمع المجاهدون ، يطلبون قائداً يكون رمزاً لوحدتهم وسيداً لرأيهم ، فكان الشيخ يوسف بورحيل المسماری .
ألا ما أصعب المهمة التي تولاها البطل بورحيل. وطن” كبير أقفر من سكانه ، وحصار من كل جانب ودولة بامكانيات هائلة تحارب جماعة ضئيلة عددا وعدة.
كان سحاب الأمل قد بدأ في الابتعاد ، وأخذ الجوع خلال أربعة اشهر يفتك ببقية الأبطال لقد كانت مهمة القائد الجديد بورحيل اشبه بمواقف عديدة سجلها التاريخ لوطنيين يخونون الغمار دون عون منتظر ولا احتياطي يعتمد عليه .
إنهم أولئك الذين ملكت عليهم المبادىء أحاسيسهم فصدقوها واستعذبوا العذاب فيها .
إن تاريخ العرب مليء بأمثال هؤلاء ، منذ نكبة الأندلس الى فاجعة فلسطين . ومع يوسف العظمة في ميسلون . ومع عبد القادر الحسینی في القسطل ومع جواد حسني الشهيد الذي احاطه العدوان الثلاثي وحيدا في بور فؤاد فسجل مذكراته على الحائط اسيرا ثم اختفى الى الأبد ماجدا في غياهب الخلود

بورحيل يناشد البقية من اصحابه الاستبسال حتى الموت
كان يوسف بورحيل صورة من البطولة الشجاعة ينظم الصفوف ويخاطب اصحابه :
– لم يعد لكم إلا القتال والاستبسال ، أما غذاؤكم فهذا النبات من الأرض ، وأما خبزكم ، الذي استحوذ عليه العدو فاغنموه ، وأما سلاحكم ، فلا بد من استعماله حتى ولو بقى بلا ذخيرة ، سوف نضرب به کالعصى حتى نلقى الله . وماذا يخيفنا يا أصحابي من الموت ؟ لقد مضى شيخنا عمر المختار ، ومضي سيدی الفضيل بوعمر ، وقبلهم وبعدهم ذهب الكثيرون من رفقائنا في لقاء سعید بحثا عن الحرية ودفاعا عن الوطن.
.ولكن الحصار المحكم الذي ضربه العدو حول الثوار أفقدهم كل عون، وباعد بينهم وبين الانصار والمواطنين ، حتى جاء وقت كان الرجل منهم يهوى على الأرض ساقطاً من الجوع ومن الضعف ،وتفقد القائد رفاقه الموزعين في نقاط عديدة بالجبل الأخضر ، فوجدهم بين حاملٍ للسلاح بلا ذخيرة ، وبين مسلحٍ لم يعد يقوى على السلاح . تعب” مرهق وجوع قاتل ، وأدرك أن نهاية ذلك الدورالتاريخي قد اشرقت ، وهي واقعة لا محالة .. ونادی رفاقه الكبار : لقد هاجر أحباب لنا من قبل، ، وأنهم لموزعون في السودان وفي مصر والشام والعراق والهند . ولقد قمنا بما يحتمه الجهاد المقدس وواجب الوطن العزيز . لم يبق اليوم جهد لنضال . إن ايطاليا تسقط منشوراتها تدعونا للاستسلام . وإن إلقاء سلاحنا معناه الذل الأبدی . أما الهجرة فهي إعلان عن استمرار صراعنا مع العدو ولعلها استعداد لمعركة قادمة .
وأصدر أمره بضرورة الاستعداد لمهاجمة الإسلاك. الشائكة المكهربة على حدود مصر وضرورة الدخول مهاجرين اليها اقتحاما ..
القائد لا يهاجر ولكنه يستشهد
وبينما كان الأحباب من شعب مصر يعالجون المجاهدين المهاجرين ويضمنون جراحهم كان أحدهم يقرا رسالة سلمها له القائد بورحيل لتعطى لمن ينجو ويستقر في مصر وراء الحدود . وجاء فيها :
“… أما انتم يا اخواني فشباب ، لكم في مصر أسر ، ولكم في العمر براح . أما أنا فقد جاوزت الخامسة والستين ، ولا أرى أن هناك مدفنا يليق بي خارج هذا الوطن وفي غير هذا الميدان” .
وفي أوائل فبراير سنة 1932 صدر البلاغ الايطالي يقول :
” عندما انتهى اطلاق النار مع مجموعة من الثوار ، تقدم نحوها الملازم بریندزی ، فوجد به أريع جثث لم تزل بنادقهم حامية في قبضة ايديهم، وكان أحدهم يوسف بورحيل. وقد أظهر مع رفاقه الثلاثة بسالة حتى آخر دقيقة من حياتهم” .
وهكذا انتهت حياة الرئيس البرقاوي العظيم ، أحد تلاميذ مدرسة جغبوب القرآنية ومستشار عمر المختار ..
بعد ذلك بنحو ۱۰ سنوات ، في عام 1941 ، والحرب العالمية الثانية قائمة ، كانت البارجة الألمانية الشهيرة “جراف” قد حوصرت . حاصرها الحلفاء بسفنهم وغواصاتهم. وأصابوها بقذائفهم، وأدرك قائدها أنه لا مناص من غرقها . عندند انزل كل بحارتها وضباطها ، ثم اعتلى سطحها رافعا قبعته تحية للدنيا ، وغاص معها إلى الأبد . فتحدث العالم عن بطولة هذا القائد واستبساله واستهانته بالحياة .
ترى هل سمع أحد في أوربا بالبطولات العربية ، وما اكثرها في تاريخ العرب الطويل ؟

بنغازي : صالح مسعود ابو يصير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*