موضوعات المجلة

ديمترا

ترجمة سعاد خليل

سنتناول جزءاً من كتابٍ بعنوان : قورينا : أثينا أفريقياCirene: Atene d Africa ، وهي دراسات أثرية عن مدينة شحات، نشرت في كتاب صدر باللغة الإيطالية. وشحات مدينة تقع في ليبيا وفيما يلي نقدم ترجمة لآخر اكتشاف للبعثة الأثرية في مدينة شحات، من خلال تصفحنا لهذا الكتاب القيم، وهو اكتشاف معبد ديمترا.
قبل أن نبدأ استعراضنا لهذا الكتاب، نقدم نبذة مختصرة عن ديمترا، ونتعرف عليها من خلال أساطير اليونان:
“سلاما سلاما يا ديمترا .. يا ربة الخير العميم .. يا سيدة محاصيل القمح الوفيرة..
مجيدة هي الإلهة ديمترا .. إنها تنفخ في الأرض الخصب، فلولا قدرتها المقدسة لما ارتفعت الغابات الكثيفة، ولا انبسطت المروج، ولا زهت الحقول العميقة الثرية.
في ذلك الزمن البعيد كان الإنسان يدرك بفطرته أن لهذا الكون خالقاً عظيماً بقدرته، ولكنه وقف عاجزاً عن بلوغ اليقين، وكان بحاجة للمزيد من الوقت ليصل إلى بر الأمان، رغم أن الإيمان كان يزدهر في صدره بوجود رب واحد للكون بلا حدود.
الإغريق أيضاً كانوا كغيرهم يعتقدون بوجود خالق لهذا الكون، لكنهم تصوروا أثناء بحثهم عن الحقيقة وجود آلهة عديدة .. فخلقوها ومنحوها الكثير من الروعة والأسطورة، ونسجوا حولها رداءً بهياً من الحكايات، ووضعوا على هامتها تيجاناً مرصعة من روائع الأدب الإنساني.
وهكذا كانت “ديمترا”، التي عثر البروفسور “ماريو لوني”، وهو عالم اثار متخصص في جامعة “اوربينو”، على معبدٍ لها مؤخراً.
وقبل أن نسرد قصة اكتشاف هذا المعبد نتعرف على “ديمترا” وإلى ماذا كانت ترمز حسب المعتقدات والأساطير الإغريقية.
“ديمترا” هي ربة أسطورية، اعتبرها الإغريق ربة الفاكهة والبقول والبذور والحصاد، وبشكل عام هي ربة الزراعة عندهم. “ديمترا” هي ابنة المؤله “كرونوس” من زوجته ريا، ولها حسب الميثولوجيا الإغريقية أخت أخرى هي “بيرسفوني”.
تزوجت “ديمترا” من “زيوس” كبير الآلهة الإغريق، وكان هذا الزواج مقدمة لظهور طقوس العبادة السرية لها.
يقع معبد “ديمترا” في شحات أو قورينا، حسب اسمها ألأصلي وسط المدينة الأثرية بالقرب من (الاجورا)، وهي كلمة تعني السوق .. وقد أشار البروفسور الفرنسي “اندريه لاروند” في كتابه “برقة في العصر الهلينستي” إلى وجود معبدٍ آخرٍ لها خارج أسوار المدينة، يقع في الجزء الجنوبي منها. ويأتي اكتشاف البروفسور “لوني” لهذا المعبد تأكيداً لما قاله “لاروند”، وأيضاً ما قاله الشاعر الإغريقي “كاليماخوس القوريني” الذي وصف موكب الاحتفال الخاص بديمترا، والطريق الطويلة التي كانت النساء يسلكنها من أجل الوصول إلى المعبد الثاني خارج المدينة، بعد أن كانت هذه المواكب محل جدل ونقاش وتشكيك.
إذن كانت نساء قورينا يحتفلن بديمترا، ويسرن في موكب مهيب، ويمارسن طقوساً مقدسة كانت تسمى (طقوس سلة ديمترا) وينظمن أعياداً خاصة (التيموفوريا) أي الطقس الخاص بالصيام. كل هذا كان احتفاءً بديمترا..
يعود معبد ديمترا إلى نهاية العصر الأركايكي، وقد تم ترميم ستة أعمدة منه، وكان هناك مجموعة هياكل تذكارية محفوظة، عثر عليها في أماكن متهدمة، وهي تتكون من مجموعات تم ترميمها بطريقة منظمة. وهناك بعض الحالات لا تزال في ارتفاع لبعض الأمتار وهي محمية بأرضية علوية.
الحفرية لا زالت تتسع عند المذبح الكبير أمام المعبد، ومدخل بناء البوابة وجانب من الرواق الدوري.
تم اكتشاف المسرح الإغريقي الجديد الناتج عن الميل الصخري، واكتشفت شرفات أو مصاطب مختلفة مع مجموعة معابد حفرت في ألصخر وشيدت ضمن المنطقة الكبيرة المقدسة الجديدة.
هناك أيضاً المعبد الذي اكتشف، وهو خاص بالنساء، أقيم خارج أسوار المدينة وكذلك الشارع الذي تجر فيه العربات في الموكب الخارج من قورينا، وخاصة من معبد “ديمترا” من داخل الأسوار، حيث كانت الاحتفالات تقام لمدة ثلاثة أيام وكانت تقام في الليل:
ففي الليلة الأولى، عند إشعال المشاعل كانوا يأكلون الخنازير الصغيرة، ويحفرون ليردموا بقايا العظام. وقد عثر على بقايا هذه الأشياء.
في اليوم الثاني تذهب النساء إلى المسرح القريب من المعبد لإقامة طقوس الصلوات والأغاني، وتوجد أيضاً تماثيل ونافورة للاغتسال ومذبح.
اليوم الثالث، وفي شهر أكتوبر بالتحديد، يحفرون ويرشون السماد حتى ينمو ويخضر، وكانت هذه الاحتفالات محظورة على الرجال، ويذكر أن أحد الملوك حاول اختراق ودخول الاحتفال فعوقب معاقبة كبيرة من النساء ..
هذا المعبد أكبر من معبد أبوللو ومن معبد زيوس. توجد به أيضاً تماثيل خاصة بمراسم دينية، ويوجد معبد آخر خلف معبد الآلهة، الذي ذكرنا أن بعض الطقوس الدينية تقام فيه، فتاريخه يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد. هناك طريق توصل من شحات إلى الغرب وبنغازي، وهي من أكبر الطرق باتجاه المرج، وستكون أكبر طريق محاطة بالنصب التذكارية الكبيرة للبناءات الفخمة التي أنشئت في بداية زمن الحضارة الإغريقية، وبقيت محفوظة في مرتفع لأكثر من ثلاثة أمتار.
توجد بالمعبد أيضاً مجموعات تذكارية، نجت منها بقايا، وقد أجريت دراسات حول الشظايا والكسر الفخارية الأثرية، أمكن من خلالها استعادة الصورة التي كان عليها المعبد وشكله الأساسي هناك البوابة التي تبعد حوالي كيلومتر، وتتجه نحو المرتفع، ثم المذبح ثم المسرح الذي يقع في الصخور. والنحت في الصخور يرجع إلى نفس فترة ألمعبد وهو قريب منه، ويظهر في الساحة نصف الدائرية لأوركسترا المسرح. هناك أيضاً أعمدة في الأرض تحتاج إلى ترميم، بالإضافة إلى بوابة شحات التاريخية. إنه واقع عجيب يجب أن يكتشف. توجد أيضاً ثلاث ساحات، اكتشفت هذه السنة، بين المذبح ومسرح ديمترا والمسرح الإغريقي، تمتد على مسافة حوالي 200 متر بين المسرح نفسه والمنبع باتجاه الغرب.
يتضح مع كل هذا أن الميول الكامل الجنوبي لوادي “بالغدير” من باب جنوب شحات حتى أقصى طرف من جهة الغرب خلف القلعة (القسم المحصن للمدينة الأثرية بما فيه من معابد) رسم لساحة كبيرة مقدسة، مهيئة في أكبر مستوى، وتبلغ مساحتها بعض عشرات من الهكتارات، تقام فيها الطقوس المقدسة لعبادة ديمترا، فقد وجدت ثلاث مساحات فسيحة مميزة، وأرصفة ومصطبات مدرجة من الشمال إلى الجنوب:
-الأولى تجاه الشرق، وهي تضم المعبد مع مذبح الكنيسة وبوابة المدخل..
-الثانية ساحة رحيبة تضم الهيكل الذي يصل إلى الغرب تجاه المسرح الإغريقي، وقد صممت درجات متنوعة ومشكلة من أعلى التلة حتى وادي بالغدير بأشكال لمعابد مهيأة ومصففة لمرحلة تقدم نساء قورينا (شحات). كثير من هذه البناءات الفخمة المقدسة حفرت في الصخور وأخرى أنشئت في شكل مربع: تسعة منها صففت على طول المصطبة الجنوبية الفسيحة من المعبد والمسرح الإغريقي. في هذا البناء الكبير الأثري، الذي يتسع لاستضافة حوالي 1000 شخص، كانوا يحضرون ليقوموا بطقوس دينية، وأيضاً للتطهر باستخدام مياه إحدى النافورات المحفورة في الصخور.
-الثالثة مساحة كبيرة ثقافية، وجدت في أقصى غرب وادي بالغدير، ولها ارتباطات مع المنبع وعين المياه. توجد أماكن مسطحة ناتجة عن الميل، وتتدرج من أعلى التلة حتى الأودية المسنودة بأسوار كبيرة وبشكل مربع.
ما زلنا نتصفح هذا الكتاب الكبير حول مدينة شحات الأثرية، الذي يحوي أكثر من 250 صفحة تتناول الآثار والنصب التذكارية في هذه المدينة، حيث يكتشف في كل مرة عالم جديد تحت الأرض، يرجع إلى آلاف السنين. ولا يزال البحث مستمراً، فديمترا اكتشفت في العشر سنوات الأخيرة، لا المعبد فقط، بمسرحه وبوابته ومذبحه وبنصبه التذكارية، ولكن هناك أشياء أخري وجدت، وعناصر كثيرة أثرية مصنوعة من أواني فخارية وبعض الشظايا، أجزاء لإطارات القرميد، طوب قرميد لسطح البناء، وقطع أخرى لزينة معمارية في المباني أليونانية ومجموعات من قطع القرميد مسطحة مغطاة ودارجة في تقسيم خماسي، أجزاء مفككة من قراميد، معدات أطعمة من الفخار والطين، أشياء كثيرة أخرى. ولا يزال البحث مستمر في هذه المدينة الأثرية، حيث اكتشفت مجموعة من المشاعل مع أجزاء كثيرة من القطع الخاصة بالأسقف والحيطان وبعض المباني، وبعض أشياء نحاسية أخري.
هذا الكتاب الصادر باللغة الإيطالية عن مدينة شحات، به الكثير، وهو يشرح ويبين وبصور ملونة كل جزء وكل قطعة أثرية في هذه المدينة، التي تعتبر مدينة الكنوز الأثرية كما يراها العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*