موضوعات المجلة

أمازونات ليبيا .. الأسطورة التي انتصرت على مرارة الواقع .

رجاء الشيخي

ليبيا

 

نساء  ثائرات ..مقاتلات .. متوشحات بالسواد.. يصرخن ملئ حناجرهن : الوطن .. الوطن

أمازونات  ليبيا كما تُخبرنا عنهن الأساطير والروايات..

اليوم نراهن أيضاً ثائرات متوشحات ألوان السلام ..سلاحهن الفكر ..القلم .. والوطن .. شعارهن امرأة  قوية واعية قادرة على مواجهة معترك الحياة ..

ليبيا وطن يستحق السلام :

تقول رئيس المنظمة الوطنية لامازونات ليبيا خديجة بسيكري، إن امازونات ليبيا فكرة قائمة منذ فترة طويلة، أبصرت النور مع أحداث 2011م ،هدفها دعم المرأة الليبية وتعزيز قدراتها  النفسية والمهنية…

واوضحت  بسيكري، بأن  المنظمة تأسست أول الأمر برعاية اتحاد المرأة الاردنية، وتم ضمها لشبكة رؤى العربية  التي تهدف إلى  تنسيق العمل بين القيادات النسائية في الوطن العربي وتأهيل كوادر نسائية..

“نعمل مع صندق السكان بالأمم المتحدة  لدعم المرأة المعنفة وحمايتها وتعريفها بحقوقها نسعى لوضع قانون مدني  شامل يحمي المرأة سيقدم لجامعة الدول العربية”

وأشارت رئيس منظمة الامازونات، أن المنظمة اطلقت العديد  من الحملات  التوعوية منها حملة “لا” للأكياس البلاستيكية ..وحملة مناهضة العنف ضد المرأة ..وحملة التوعية بسرطان الثدي وضرورة الكشف المبكر.. كل هذه المشاريع التي تسعى المنظمة إلى نشرها وتعزيز ثقافة الوعي بين المواطنين من أجل وطن ينعم بالصحة والسلام ..

وذكرت بسيكري، أن أمازونات ليبيا تعمل في الوقت الحالي مع منظمة الصحافة  للحرب والسلام المنظمة الدولية لتعزيز قدرات النشطاء والاعلاميين وتوثيق الانتهاكات ، وكتابة التقارير والتعريف بالمواثيق الدولية.. كذلك عملنا مع منظمة الهجرة الدولية وقمنا بزيارة  لمراكز ايواء  المهجرات، و طالبنا بوجود عناصر شرطية من النساء…

“لدينا مشروع مع مركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، وصندوق السكان بالأمم المتحدة..

تقول “بسيكري” إن أهداف المنظمة ليست تقديم  المؤون  والمساعدات المالية للأسر المحتاجة،  فنحن نعمل  من أجل إصلاح المجتمع  ونشر ثقافة الوعي والمعرفة، لدينا مكتب للدعم النفسي  استقبلنا الكثير من أمهات الشهداء والمفقودين حاولنا مساعدتهن معنوياً و تقديم المشورة والنصح لمساعدتهن على تخطي هذه المحنة ، فقد كان لا بد لهن ان يمضين قدماً رغم الاحزان والفواجع التي اصابتهن بفقدهن ابنائهن وازواجهن، وكان  مكتب الدعم النفسي بالمنظمة  الحاضنة لكل هؤلاء النسوة المكلومات والمتوشحات  بجرح الفقد، فليس من السهل على المرأة ان تفقد سندها وأن تصبح الأم والأب لحفنة أطفال ، المنظمة ليس من مهامها  إعطاء الأموال، وإنما تمنح الدعم وتعزز ثقة كل النساء بأنفسهن  ليستطعن  تربية أبنائهن ومواصلة المشوار..

لدي فريق متميز من الاخصائيات في الدعم النفسي، أثق في قدراتهن على تقديم كل الدعم والنصح لكل النساء سواءً زوجات وأمهات الشهداء أو النساء المعنفات جسدياً، وكل من يطرقن باب المنظمة سيجدن اخواتهن  يستقبلهن برحابة وسعة صدر ..

من ضمن مناشط المنظمة  تجهيز  معمل متكامل  لتدريب النساء على الحياكة والخياطة وتعليم الكروشيه،  الهدف من هذه الدورات تعزيز قدرة المرأة  في الاعتماد على نفسها وان تؤمن مصدر رزق لها ولأبنائها  دون الحاجة الى الآخرين..

رسالة عبر هذا المنبر لكل من تبحث عن حرفة تحفظ لها عفتها وكرامتها، المنظمة وأعضاء فريق الدعم النفسي والمعنوي على استعداد لتعليمهن ــ خاصة نساء بنغازي كون المنظمة تقع داخل نطاق المدينة ــ فهذه رسالة من منظمة أمازونات ليبيا لكل الليبيات ولمن لا تملك حرفة تعينها وتسد بها احتياجاتها …

طالبنا بحصول النساء الليبيات المتزوجات من الأجانب على حقوقهن وحقوق ابنائهن :

ومن ضمن برامج المنظمة  قدمنا اقتراحاً لوزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية من أجل  حصول النساء الليبيات المتزوجات من الأجانب على حقوقهن وحقوق ابنائهن،  طالبنا بحقوق أبنائهن في التعليم والصحة والإقامة، وننتظر من وزارة الداخلية الأخبار المطمئنة بهذا الخصوص .

في كل دول العالم تمنح جنسية الأم لأبنائهاـ حيث يحضون بكل امتيازات المواطن العادي..

أكدت رئيس منظمة امازونات ليبيا  أن مشروع المصالحة الوطنية مشروع وطني يهم كل الليبيين دون اقصاء أو تمييز ، ولأجل أن يعم السلام في بلادنا  قمنا بإعداد فريق  متكامل من كافة التخصصات ، أناس على قدر من الثقافة والوعي، هذا الفريق  أُطلق عليه فريق رسل السلام، وهو يسعى للتواصل مع كافة الجهات لحقن الدماء..

ليبيا  تستحق منا جميعاً أن نترك أحقادنا وأن نتصافح يد واحدة،  كفانا كل هذه السنوات دماء وقتل وانتهاكات .. ليبيا وطن يستحق السلام  ..

لا بد من تعاضد الجميع :

ومن جانبها تقول الإخصائية  النفسية بمستشفى الأمراض النفسية ببنغازي وعضو بالمنظمة الوطنية لامازونات ليبيا، عزيزة بالخير، إن المنظمة تُعنى بالمرأة واحتياجاتها ومشاكلها كذلك التركيز على الطفولة، كانت لدينا عدة نشاطات مع زوجات وأطفال الشهداء والمفقودين  للقيام بجلسات نفسية تأهيلية لتعديل سلوك الأطفال خاصةَ ممن عاصروا فترة الحرب وأثرت على سلوكهم وتصرفاتهم، إلى جانب معاناتهم من التبول اللاإرادي، سجلنا العديد من الحالات تعاني هذه المشكلة نتيجة الخوف من أصوات الأسلحة.. بنغازي شهدت أحداث دامية واشتباكات عنيفة كان لها تأثيرها الكبير على الكبار فما بالك بأطفال  يستيقظون وينامون على أصوات القنابل والقذائف والدبابات …

لا بد من تعاضد الجميع ، الأسرة في المنزل،  والمؤسسات التعليمية،  لا بد من جلسات دعم نفسي لأطفالنا في المؤسسات التعليمية من قبل أخصائيين مؤهلين ومدربين على التعامل مع هذه الأمور..

المنظمة قد لا تستطيع الوصول لكل الأطفال الذين يعانون مشاكل نفسية أو اجتماعية نتيجة  لما تعرضت له المدن والمناطق من حروب، كل هذه التراكمات ولدّت لدى الكثير من الأطفال حالات عنف وعدوانية ظهرت على سلوكهم وتصرفاتهم مع الأخرين..

دورنا كأخصائيين نفسيين، التركيز على تقويم وتعديل السلوك سواء للأطفال أو للكبار، هناك مثلاً نساء تعرضن للعنف الجسدي من قبل الأزواج،  من ضمن عملنا في المنظمة إجراء جلسات نفسية للتخفيف من معاناة هذه المرأة المعنفة  بمجهودات مجموعة من الأخصائيات هدفنا مجتمع خالي من مظاهر العنف  الجسدي واللفظي …

نعمل وفق  ضوابط مهنية :

وفي ذات السياق قالت إحدى العضوات بالمنظمة الوطنية لامازونات ليبيا، “حنان العبيدي”، إنها التحقت بفريق المنظمة منذ فترة، وتركزت أنشطتهن على العمل التطوعي والخدمي حيث تم تجهز معمل متكامل للحياكة والخياطة وأيضا تعليم الكروشية لكل النساء اللاتي يرغبن في تعلم حرفة تكون لهن باب رزق..

وأكدت العبيدي، أنهن كفريق منظمة أهلية، “نعمل وفق  ضوابط مهنية، حيث  وضعنا العديد من الخطط والمشاريع التي يتطلب العمل عليها جهداً كبيراً، من ضمن هذه الخطط زيارات ميدانية للنساء النزيلات بمؤسسة الاصلاح والتأهيل الكويفية  للوقوف على احتياجاتهن،  كذلك تقديم النصح والمشورة لهن من قبل أعضاء مكتب الدعم النفسي بالمنظمة، كذلك كانت لنا زيارات ميدانية لمركز إيواء  الهجرة غير الشرعية حيث وقفنا على وضع المهاجرات الصحي والنفسي ..

المرأة تحتاج لمن يساندها يدعمها، ويأخذ بيدها، هناك نساء يتعرضن للعنف الجسدي واللفظي  أدعوهن لزيارة المنظمة لتعزيز قدرتها واستشارة الاخصائيات الدعم النفسي بالمنظمة، كذلك الأطفال الذين يعانون من سلوكيات عدوانية أو يمارسون سلوكيات سيئة كالتدخين وغيره.  أبواب المنظمة مفتوحة على مصرعيها لكل من يطلب الاستشارة النفسية والسلوكية من قبل الاخصائيات، التركيز في الفترة السابقة كان أكبر على أطفال الشهداء والأطفال الذين عاصروا فترة الحرب وكانوا قريبين من مواقع الاشتباكات، أكثر المشاكل التبول اللاإرادي نتيجة الضغوطات النفسية ومشاهدتهم  للأحداث التي كانت تقع في مدينتهم كل هذه الامور اثارت الخوف والرعب بينهم،  بذلنا ما بوسعنا حتى نخرجهم من هذه الحالة المرضية من خلال تقويم وتعديل سلوكهم، والحمدلله كانت الاستجابة كبيرة وسريعة،  والفضل بعد الله سبحانه وتعالى للأخوات الاخصائيات اللاتي يعملن بعطاء وحب وكفاءة دون مقابل.

حكاية زوجة شهيد …

خلال زيارتنا لمقر المنظمة التقينا بإحدى زوجات الشهداء التي  احتضنتها المنظمة بعد مقتل زوجها على يد الجماعات الارهابية المتطرفة ..

تحدثت معها فطلبت مني أن احتفظ باسمها وأن اكتفي بسرد حكايتها .. أخبرتني أنها أم لخمسة أطفال تجرعوا المرار بفقدهم للسند والعكاز…

كنت أسمع  قصص ومآسي  النساء   اللاتي عصفت بهن الاقدار..  ففقدن أزواجهن في زوبعة الحياة …كنت أشعر بالحزن كلما سمعت أرملة تحكي معاناتها وكيف قتل الإرهابيين زوجها ..

كنت أشاطرها الحزن  واجمع لها كل كلمات المواساة علها تخفف وطأة المعاناة.. كانت مجرد كلمات أحاول اصطفافها للملمة اشلائها المتبعثرة ..وكيف لا تكون متبعثرة وقد فقدت سندها..

اليوم وأنا اقلب صفحات ذاكرتي المثقوبة من كل شيء إلا من الوجع ..وقفت عند تلك الصفحات   المكسوة بالسواد.. سواد غيّر مسار حياتي أنا وأبنائي.. كنت أعيش في كنفِ زوجِ أرى العالم بعينيه..  لم أكن مجبرة للوقوف على عثرات الحياة.. كان هو من يصنع لي ولأبنائي عالماً يليق بنا.. كل الأحداث والمآسي التي نراها في عيون الاخرين كُنا  نظنها بعيدة عنا بآلاف السنين …

في لحظة أو أقل منها بكثير.. ثواني ربما أو أقل ايضاً.. اتصال هاتفي يقلب حياتي رأساً على عقب…الو من معي ؟؟؟ فلان استشهد الآن …..تساؤلات عدة يصدح بها رأسي ويتردد صداها بداخلي ..اعصار؟ لا.. لا .. بل بركان من اللاشيء.. لست أصدق ما سمعت ..ربما مزحة سمجة.. ليست مضحكة ولا باكية … سيعاود الاتصال ليتأسف لي وليخبرني أن زوجي لم يُقتل ولم تطاله الأيادي الغادرة التي طالت كل رفاقه وأبناء وطنه دون ذنب لهم ولا جرم اقترفوه سوى أنهم أبناء وطنٍ يمنح شهادات الوفاة لكل الشرفاء  … أفكار.. وأفكار كلها في ذات اللحظة ..والثانية … لن اصرخ   لتسمع نفسي صدها .. فتصدق هذه المزحة البائسة…

كان يجب على نفسي أن تصدق وأن تتقبل التعازي. وأن تصرخ وتملأ بنغازي صراخاً وغضباً ..زوجي مات مقتولاً على يدي إرهابيين متطرفين عاثوا في الوطن فساداً قتلوا ازواجنا ويتموا ابناؤنا وامطروا قلوبنا حزناً وسوادًا…

فاجعة اغتيال زوجي بوضع قنبلة يدوية تحت سيارته .. اهتز لها كياني وخرت قواي من وقعها …زوجي صار أشلاءً كروحي المتناثرة فوق قبره …نهضت على وقع فاجعة،  وأي فاجعة قتلوا زوجي ويتموا أبنائي ..

كل ما كنت أفعله هو أنني أبكي وأتوسد بعض الصور والذكريات ولحظاتٍ اصبحت في خبر كان…

اليوم وأنا أقف وأحدثك عن كل ما مر علي من أوقات صعبة، وكيف تمكنت من اجتيازها بصحبة أطفالي ..كل هذا بفضل الله سبحانه وتعالى ومن ثم منظمة أمازونات التي ما إن علمت بوجود منظمة تحتوي كل الأرامل وأطفال الشهداء وتعمل على دعمهم وتعديل سلوكهم ومساعدتهم على تخطي حادثة اغتيال آبائهم  وكيف أثرت على نفوسهم وسلوكهم ..لجأت اليها أحمل أطفالي وبقايا أشلائي المحطمة والبائسة..

كُن ملاذاُ لكل امرأة  اغتالوا زوجها وقلبها … وكّن الدعم لي أكثر من اطفالي  مع الوقت وبمساندتهن، تغيرت نظرتي للحياة، لملمت أشلائي المتبعثرة منذ رحل زوجي وتركني أصارع الحياة بخمسة اطفال ..

أدركت أني أخطأت حين توسدت أحزاني وتركت أبنائي يصارعون نيابة  عن والدتهم  …اليوم استطيع أن أخبركِ أني امرأة قوية، وأن أطفالي شدوا من عزيمتي، وأني الملاذ لهم والسند والعكاز الذي ظننته انكسر منذ زمن .. لكني  أوثقت رباطه وجعلتهم يتوسدونه دون خوف من أن يلقي بهم  في غياهب الحزن ..

أبنائي اليوم متفوقون في دراستهم، يعتلون المراتب الأولى في التحصيل العلمي ..وأنا لم أعد تلك المرأة المنكسرة البائسة والتائهة … تعلمت قيادة السيارة، وأصبحت أعولهم وأوفر لهم كل احتياجاتهم، ولم انتظر من يطرق بابي ليتصدق على أبنائي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*