موضوعات المجلة

الوشم .. بين الشعر والأسطورة اعداد: منى بن هيبة… العدد الرابع

لا تكاد تجد شاعراً شعبياً تكلم في الغزل إلا وذكر الوشم، يقول “طارق خالد الفلاح” الباحث في التراث الشعبي :
ـــ عرف العرب الوشم منذ الجاهلية. وورثوه جيلاً بعد جيل، ولا زال منهم إلى اليوم من يقوم به، وعندما نغوص في أغوار الشعر الشعبي محاولين استكشاف شيء عن تاريخه محلياً، نجد أقدم الشعراء الذين وصلنا شعرهم قد ذكروه، ومنهم الشاعر “امحمد قنانه” الذي يقول في إحدى قصائده : (( رقن عزوم النظر من اوباري .. وجدن افكاري .. علي موح مولاة الوشام اخضاري))

ليس قنانه وحده من ذكر الوشم في شعره.. بل لا تكاد تجد شاعراً تكلم في الغزل إلا وذكر الوشم.. كل حسب وجهة نظره، ويتضح لنا عند تتبع واستقراء أبيات الشعراء أن نظرتهم للوشم لم تكن قاصرة، بل كانت من عدة زوايا، فنجد بعضهم تكلم عن جمال خط الوشم، وذلك القلم الذي كتب به، وكأنه قلم “فيكتور هوغو” الذي يعتقد الطفل الأديب “دانيال سيمبيري” أنه قادر على كتابة كل شيء من رواية إلى موسوعة ورسائل ليست في حاجة إلى ساع بريد لتصل وجهتها .

بل يعتبر الشاعر “عبدالله البويف الدينالي” أن خط الوشم على وجه المرأة في جماله ووضوحه كخط القرآن الكريم على اللوح، فيقول في إحدى قصائده:
((
الفم تحلف ما تلمط بيه .. الوشمة كي ختمة ياسين..)).

ونجد شعراء آخرين تكلموا عن أماكن وجود النقش سواءً في اليد أو الجبهة أو أسفل الوجه ،كما سيأتي في الأبيات القادمة، بينما نجد شعراء آخرين تكلموا عن شكل الوشم فتحدث بعضهم عند عدد الدوائر كقول الحلافي:
((
لْها عين سودة تقهرك شَبتّا .. وين ما اتبهت فيك ما تْحملها.
وفيها ثلاث اصفار في جبهتّا .. للنار ما يربح اللي نفلها.))

ونجد شعراء آخرين تكلموا عن لون الوشم كقول “هاشم بو الخطابية” :
((
ياما شقينا به كحيل هدوبه .. اواجد جرينا في معاني صوبه..اللي شفته قيرة عسل مصبوبه .. وفوقه نفايل سود بالنخضاره..)).

وهذا اللون المذكور ( الأخضر المائل للسواد ) من أفضل الألوان، وقد أخبرنا الله تعالى بأنه لون الجنة.. وذلك في قوله سبحانه { مدهامتان }، ونجد شعراء آخرين تكلموا عن الوشم بصورة أكثر شمولاً كقول “حسن لقطع“:
((
وتحوجيبها تحت الجبين نظافة .. وشناف عين قرقاضة سيور الكفه.. اللي بها تصدع غايشه بعفافه .. وهالنقش بالنيله اللي راضفها..)).

عندما ننظر إلى الوشم في الشعر الشعبي نجد أن الشعراء قد احتفوا به وبالغوا في مدحه، وهذا يدل على أنه لا يقل مكانةً عن الحلي.. فهو يزيد المرأة جمالاً وحسناً، ولا أَدَلَّ على ذلك من احتمال ألم الجروح في سبيله، نعم إنه يزيد المرأة حسنا وجمالا.. هكذا اعتبره جميع الشعراء.. ولكن ثمة شاعر معاصر له نظرة خاصة يرى أنه يشوه المرأة ! فيقول في وصف محبوبته:
((
و قير ما اشوّه من عمل وشامه .. و في ارهاف حاجرهن بدع صوّاره ))
فكأنه يعتبر الوشم مشوها للمرأة، ولكنه يقول إنه لم يشوه محبوبته لكثرة جمالها، ونجد صورة أكثر تفصيلا عند الشاعر “عبدالسلام الحر” في قوله :
((
قديمة وما زالت تقول جديدة .. نار سمح دقات الوشام علي ايده)).
إذ يدل بيته بدلالة الالتزام على أن الوشم منه حسن ومنه غير ذلك“.
الأسطورة تؤرخ للوشم :
تتعدد الوشوم بتعدد الأساطير، كما شاركنا الحديث الكاتب “أحمد التهامي” الذي يقول:
ــ في ظني أن التفريق بين الوشم والوسم تاريخياً لم يكن ممكناً، لأن سمة القبيلة كانت ترسم على كتف الإنسان كما على صوف الحيوان، إذ عدت بديلاً عن البطاقة الشخصية في قديم الزمن، أما حديثاً فلم تعد تلك الطريقة للتعريف بالهوية ضرورية فغدا الوشم معبراً عن أحاسيس معينة كوظيفةٍ جماليةٍ فنيةٍ في الماضي، وكانت هذه الوظيفة موجودة أيضاً لكنها مثقلةً بأعباءٍ أخرى توازيها وتفرض عليها، وأعتقد أن كل وشمٍ مرتبطٍ بمرجعيات القبيلة ونظرتها لنفسها والقيم الاجتماعية التي تعطيها الأولوية كالكرم أو الشجاعة أو القتال وما شابه، ولذلك تتعدد الوشوم بتعدد الأساطير، وتطرق الوشوم نفس الأماكن التي تخلدها الأسطورة وعلى سبيل المثال نجد السيف مرسوماً على كتف رجل يرمز لاحترام المجموعة الأثنية للقتال كقيمة منفصلة ومعبرة في آن، وربما استخدم بمجرد الإيحاء، كالشعر ينتشر فينشر أخباراً عن مجموعة إثنية تفضل أن تحيط نفسها بستارٍ حامٍ من الكلمات، وقد استمدت الوشوم رمزيتها من الحياة اليومية للمجموعة الأثنية بما فيها من مظاهر ثقافية ومادية، فهي تعيش في إطار هذه المجموعة، وتعتمد على الاختلاف مع المجموعات المجاورة لها في صناعة وشمٍ خاصٍ بها، سيما حينما يرتبط الأمر بأساطير القبيلة، وﻷن تصرفاتنا ليست مرتبطة بالعلم أو بنتائج الطب، ظل الوشم راسخاً في الذاكرة فثمة الكثير من تصرفاتنا تبنى بدافع الرغبة ولا تقررها الفائدة العلمية، فالطب منطقة وحياة الناس آفاق واسعة“.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*