موضوعات المجلة

خرافة العشق الممنوع تتحول إلى ليلة الزواج المبارك . .. مهرجان “إملشيل للخطوبة ..

فيروز عنيبة

المغرب

 

بين الواقع والخيال دون تأكيد أو تكذيب، تبقى الأسطورة مصدر إلهامٍ للعديد من الأعمال الأدبية و الفنية، ووجهاً من أوجه التعبير العاطفي والإنساني لكسر الوتيرة الواقعية و النمطية لسير الحياة داخل العديد من المجتمعات العربية و الغربية.

إن الالتحام الملموس بين الواقع والخيال يرسم صورة إبداعية جُسّدت إحداها في أسطورة “إيسلي و تسليت” عندما اتخدت عبرة و مفهوماً شاعرياً لدى الفكر اللا واعي للمجتمع الأمازيغي، تُرجم الى مهرجانٍ سنوي  يُقام على أعالي جبال الأطلس الكبير لإحياء أسطورة العشق الممنوع في موعد مع زيجات جماعية و حفلات عريقة تعكس التراث اللامادي للمنطقة بأوجهٍ تعكسُ الحبَ و التضامنَ و التشبث بالتراث و الهوية.

مهرجان “إملشيل للخطوبة” أو كما يحلو للبعض تسميته     ” أرض العشاق “، ينظم كل سنة تحت رعاية عمالة “ميدلت” و المجلس الإقليمي و جماعات “إملشيل” بمنطقة جبلية قابعة وسط أحضان جبالٍ وعرة تتحدى غربتها وانعزالها و الظروف المناخية الصعبة، بحيث يعمل سكانها على مدار السنة بلا كلل لضمان قوت أسرهم عدا شهر “شتنبر” ( سبتمبر ) حيث أنه موعد الشبان للبحث عن شريكة العمر.

بحثٌ نبيلٌ يتم بمباركة الأسرة و القبيلة وتخصه هذه الأخيرة باحتفالاتٍ تعكس الثقافة الأمازيغية و البربرية للمنطقة. حفلات ورقصات و أهازيج ملابس و وجبات تقليدية في جو من الأُلفة و البهجة لتضميد جرح أسطورة صارت جزءاً من الموروث الثقافي للذاكرة الجماعية للقبيلتين، و هي تحكي عن شاب اسمه “موحا” من أبناء قبيلة “أيت ابراهيم” وقع في غرام شابة تدعى “حادة” من قبيلة “أيت يعزى” غير أن القصة ضلت أسيرةً لعداوةٍ بين القبيلتين، وهما فرعان من قبيلة “أيت حدو”، وكان أساس الخلاف بينهما يتمحور حول أراضي الرعي و المياه، إلى أن وصلت درجةُ العداوة إلى منع زواج الحبيبين.

ضل الشاب و الشابة يذرفان الدموع إلى أن شكلّت من كثرتها بحيرتين سميتا ” إيسلي” العريس و ” تيسليت ” العروسة ليختارا طريقاً أكثر تراجيدية، و ينتحرا غرقاً في البحيرتين.

وقصد التكفير عن ذنبها القديم، باتت قبيلة “أيت حدو” تنظم موسم خطوبة وزواج جماعي غني بدلالات تاريخية و رمزية و نموذج حي للتراث الأمازيغي للمنطقة.

ورغم بساطته، إذ أنه عبارة عن سوق موسمي مكون من مجموعة من الخيام البسيطة تعرض بها منتوجات محلية وصناعات يدوية، فأنه يشهدُ رواجاً اقتصادياً مكثفاً، لكنه نشاط سياحي كبير سواءً من السياح المغاربة أو الأجانب. وتتوسط السوق الخيمة الكبيرة التي تشد إليها الأنظار، إذ يُعقد بها قران العرسان و العرائس اللواتي يتقدمن تباعاً في أجمل الحلل و الملابس التقليدية أمام اللجنة لتقديم وثائقهم قصد إضفاء الشرعية على علاقتهم الزوجية في ملحمة حبٍ بسيطة ترقص على أهازيج احتفالية تمجيداً للروابط و تحدياً للظروف داخل مجتمع متحفظ و معزول و منهك من قسوة الطبيعة و قلة ذات اليد، لكنه جعل من أسطورةٍ مؤسسةٍ لكيانه فرحةً تلقائيةً هو على موعدٍ معها كل سنة، موعدٌ مع عشقٍ مبارك و تراثٍ متفرد ،و أسطورة حية بغض النظر عن منطقيتها و واقعيتها.

 

 

فيروز عنيبة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*