موضوعات المجلة

في عيدها الأول ، مجلة الليبي

الأنثى التي لا تكيد لأحد
افتتاحية العدد الثاني عشر
بقلم الدكتور الصديق بودوارة المغربي

(( وحق من انخمم من احسابه بكره .. وانريده ايخفف من عذاب سعيري
انشوفوا القرودة يضربن في الزكرة .. ولسباع للثعالب يدفعن في الميري
ولا جنس حوا مالخديعة وكره .. تحرر، ولا منهن حصل تحريري. ))
إنه الشاعر الليبي الفحل ” مفتاح الفالح”، ذلك الذي يغرف من بحر، وينحت في الصخر معاً بموهبته الشعرية الكبيرة، ، وهو يجسد عن غير قصدٍ تلك الثقافة الشرقية القديمة التي تدين المرأة بالخديعة من أول الدهر إلى نهايته.
إن “الفالح” في واقع الأمر لم يأـت بالجديد في هذا المجال، فهو يقدم لنا، وبتلقائيته المحببة، خلاصة قرونٍ طويلةٍ من التجربة الإنسانية المؤلمة، التي دأبت على اعتبار المرأة وكراً للخديعة ومصنعاً لأحدث منتجات المكر والمكيدة والتآمر.
إن هذه الأبيات المشحونة بإبداع شاعرها تحيلنا فوراً إلى نقاشٍ مستفيضٍ حول ثقافةٍ قديمة متأصلة تتعلق بسؤال المرأة الجلاد أو هو واقع المرأة الضحية، وتنحدر هذه الثقافة عميقاً في لاوعيٍ عتيد طالما أمدته وقائع التاريخ المزورة بتفسيرٍ ــ مزورٍ أيضاً ــ يهدف إلى تأطير المرأة في مشهدٍ يثبت خيانتها ويؤكد كيدها العظيم، ذلك الكيد الذي لا يختلف في شيءٍ عن كيد الرجل، لكنه كيدٌ موسومٌ عن سابق تصورٍ وتصميمٍ بالمرأة وحدها، فيما يُمنح الرجل صك براءةٍ لا علاقة له بالعدل، ولا صلة تربطه بالإنصاف مجلة الليبي .. الأنثى التي .. :
مجلتنا هذه تفتخر بكونها أنثى، لكنها أنوثة المبنى لا أنوثة المعنى، فالمحتوى لا يعرف تذكيره من تأنيثه ولا يهتم بمن يجنحون به إلى شاطيء خشونة التصرفات أو يعودون معه إلى ضفة نعومة الملمس، فالثقافة هي هويةٌ للجميع، وليست حكراً على جنسٍ بعينه.
“الليبي” مجلةٌ أنثى بحكم لغة التاء المربوطة، لهذا رأيتُ أن أدخل في عدد ختام السنة الأولى من باب التأنيث الذي طالما أتُهمتُ من خلاله بالانحياز والتحيز إلى الأنثى، وهي تهمة أعتز بها وأفتخر، طالما كانت النتيجة إبداعاً يطوي عامه الأول بكل اعتزاز.
إن هذه الأنثى ذات المئة صفحة، لم تدبر مكيدةٍ لأحد، ولم تغو آدم بأكل تفاحته المشبوهة، ولم تتحالف مع الحية المريبة ضد رفيق وحدتها في جنة الخلد، فمن يجرؤ بعد الآن على تبني كل هذه الخرافات وإلصاقها عن عمدٍ بنصف المجتمع المغضوب عليه بحكمٍ مشكوكٍ في صحته، من قاضٍ يشعر بعقدة نقص مستعصية ؟
لم تكن ليوسف شقيقة لكي تغدر به :
في القصص القرآني أن أخوة يوسف تآمروا عليه، وعلى الرغم من أنه أصغرهم، ومن عددهم الكبير بالنسبة إلى مجرد طفل، فإنهم قرروا أن يخدعوا والدهم، وأن يلقوا بأخيهم في “غيابة الجب”، حسب التعبير القرآني الجميل، وهنا تصمت ألسنة المؤرخين تماماً عن اتهام الذكور المتآمرين بالخديعة، ويتغافل كتبة التاريخ عن وصمهم بمدبري المكيدة، فمادام المتهم ذكراً، فالكيد هنا ليس موضع نقاش، بل أنه لا يجد محلاً له في إلقاء اللوم من الأساس.
إن هذه الثقافة الانتقائية التي تسارع برمي الأنثى بالنقيصة، هي ذاتها التي تصمت إذا ما تعلق الأمر بذكرٍ يكيد لغيره، أو لرجلٍ كأدولف هتلر يدمر قارةً كاملة لكي يحكم العالم ولو بالخطب النارية المجلجلة، أو بمعتوهٍ كموسوليني وهو يقيم دولةً فاشية تأكل من لحم الواقع لكي تستمر في المعيشة في عالم الخيال.
كلهم ذكور، لكن تهمة الكيد العظيمة لم تُلصق إلا بالنساء، ولم يقتصر الأمر على هذا التجني التاريخي العتيد، بل تعداه إلى تأسيس ثقافة راسخة تروج لأنثى مشبوهة متآمرة متهمة بالكيد العظيم، سواءً صرّحت بالرفض أو جاهرت بالصراخ.
حكاية اللقب المتحيز :
امرأة العزيز تهيم حباً بيوسف، لكن نبي الله لا يأبه لها، ومن أجل ذلك تكيد له عند زوجها ليسجل التاريخ أول قضية آداب رفعت في وجه نبي، وحالما يكتشف زوجها الحاكم الأمر، يؤنب زوجته بذلك التعبير الذي سجله القرآن : (( قال إنه من كيدكن، إن كيدكن عظيم )) .
جزء من حوارٍ دار بين الرجل وزوجته الشبقة، يُعمم عن سابق تصورٍ ليصبح ختماً تذّيل به كل مستندات الإناث في جميع العصور اللاحقة، في إجراءٍ متحيزٍ هو الأكثر ظلماً في التاريخ.
ورغم أن الوزير يوسف يُسجن بعد ذلك رغم انكشاف المكيدة ـــــ لأن سجنه كان فعل ضرورة لا مجرى عدل، فمنهج إعلام السلطة كان بحاجةٍ إلى أن يُسجن الموظف لكي يقتنع الرأي العام ببراءة زوجة المسؤول ــــ وهو نوع متطور من المكيدة الذكورية للبيت الحاكم لا دخل لامرأة العزيز به. إلا أن تلك الحادثة التي وردت في القرآن للعظة والتأمل، تجرّد من كل معانيها الثرية ليقتصر الأمر على فعل الكيد الذي وصمت به كل نساء العالم لمجرد عبارةٍ تفوه بها رجل .
الخروج من الجنة لم يقيد ضد مجهول :
لم تكن هناك حاجة لدى من اقترفوا إثم إعادة تدوين بعض نصوص التوراة على مزاج خيالهم، أن يسجلوا حادثة خروج آدم من الجنة ضد مجهول، ولماذا يفعلون ذلك ما دامت الضحية حاضرةً رهن إشارة الأقلام المهجوسة بالتجني على حقائق التاريخ والدين معاً ؟
إن التوراة تتهم الأنثى صراحةً بهذا الفعل، وتلحق بها إثم المكيدة الأولى في التاريخ، وتجعلها مسؤولة مباشرة ووحيدة عن إغواء آدم وإقناعه بأكل التفاحة من شجرة الخلد ( تسميها التوراة شجرة المعرفة في خطأ شنيع لم ينتبه له من كتب ذلك النص ) وهاهو سفر التكوين في التوراة يتجلى في حكمٍ جائرٍ لا يجعل له هدفاً سوى الأنثى فقط :
ــــــ ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للمأكل وشهية للعين، وأنها باعثة للفهم، فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت زوجها أيضاً، وكان معها، فأكل.
إن التوراة تجعل من الأنثى صاحبة المكيدة الأولى، وتحملها تماماً وزر خروج الرجل من الجنة، وهاهي إلى اليوم تدفع فاتورة ذلك الخروج القديم.
ولا يكتفي كاتب النص بذلك، إنه يستكمل بقية مستندات قضيته، ويبدأ في إصدار الأحكام المترتبة على هذا الفعل وبدون إبطاء :
ــــــ وقال لها الرب، سأضاعف آلامك وأحزانك مضاعفةً كبيرة، وستلدين الأطفال بالآلام وحدها، وستكون حياتك خاضعةً لمشيئة زوجك، وسوف يظل زوجك حاكماً عليك.
إن كاتب النص المشبوه يجعل حتى من الولادة عقوبة إلهية حلت بالمرأة، وطبعاً سوف يتلقف من جاءوا بعده هذه الهدية ويواصلون صنع القفص المحكم لهذه المخلوقة عبر آلاف السنين مدعمين بنصٍ تجنى فيه كاتبه عليها دون حتى أن يشعر بتأنيب الضمير.
ثقافة رفض السائد :
هذا هو السائد، نصوص غيبية، أما أنها كُتبت بيد خيال مريض، أو أنها تعرضت لتفسير ذكر متجنٍ يملأه إحساسه بالسيادة ورغبته في مواصلة التسلط، ولكن، هل يكفي أن يعلو صوت أحدهم بالصراخ لكي نقتنع بوجهة نظره ؟
لا أعتقد ذلك، فمنطق الإقناع بحاجةٍ إلى المزيد من الواقعية والعقل، ومنهج العقل يرفض تماماً أن يُساق إلى الحقائق بحبل الصراخ وحده، ولهذا سوف يحتاج كتبة النصوص القديمة إلى ما هو أكثر من الغموض ليقنعوا العالم من حولهم بصحة ما يقولون به .
الأنثى ليست مجرد تابع، وليست “نصف المجتمع الأسفل” كما يروج البعض لهذه الجملة المقززة، كما أنها ليست ذلك الكائن الذي يطمح إلى “المساواة بالرجل”، وهي خدعة وقعت في حبائلها ملايين النساء في الغرب والشرق معاً، وليست ذلك العار الذي ينبغي طمره ووأده بسلطة العادات المجتمعية القديمة والحديثة معاً.
إنها ببساطة كائن مثلك، مثلك تماماً، لا تستطيع الحياة أن تمضي من دونه، لأنها سوف تتوقف تماماً وتندثر، وهذه حقيقة لا يمكن لأشد دعاة “تذكير الدنيا” نكرانها مهما بذلوا في ذلك من جهد .
إن الأنثى ليست مدبرة مكائد، وهذه المجلة هي خير دليل، فما الأنثى إلا كيان خلاق مبتكر، من شأنه أن يأتي بالجديد، وأن يتكفل بالخلق والتشكيل والتأهيل والإبداع .
هذه المجلة مطبوعة للثقافة ومن أجلها، وهي أنثى خارج سيطرة نص مشبوه اخترعه كاهن ــ مشبوه أيضاً ــــ منذ أكثر من أربعة آلاف عام مضى.
مجلة الليبي من جديد :
ها أنا أرجع بكم إلى بيت القصيد، إلى هذه المجلة التي نالت شرف أن تكون المجلة الثقافية الأبرز في ليبيا في مرحلةٍ هي أبعد ما تكون عن الاستقرار والترفيه وطلب الكماليات، مع أني لم اعترف يوماً أن الثقافة هي إحدى الكماليات، فأنا مقتنع تماماً أن الثقافة هي كلمة السر للتطور، وهي كلمة السر لتأسيس الدولة، وهي كلمة السر للتنمية، وهي كلمة السر لزيادة الإنتاج، وهي كلمة السر أفضل وعيش كريم، وهي كلمة السر لبناء جيلٍ خلاق، وهي كلمة السر لمقاومة الفساد، وهي كلمة السر للقضاء على التطرف، وهي كلمة السر لكي لا يسقط الوطن في هاويةٍ يريد له الجميع أن يسقط فيها وإلى الأبد.
إن مجلة الليبي هي بصيص من النور في وسط عتمة، وهي أمل يتماوج في مواجهة عاصفة الارتباك والفوضى والتشكيك في جدوى الثقافة من الأساس، رغم أن المنطق يقول إن الموظف المثقف والجندي المثقف والعامل المثقف والمواطن المثقف، هم أفضل وأكثر قابلية للاستجابة لمقتضيات بناء الدولة من غيرهم، من الذين لم ينالوا حظهم من الثقافة بعد.
الليبي مشروعكم أنتم، وهي مجلتكم التي ينبغي أن تُدعم لتبقى وتستمر، فالواجب يقتضي أن نصدّر إلى العالم مطبوعتنا الليبية الباذخة المستنيرة القوية الراسخة العميقة، وهذا عمل لا يكتمل إلا بالتراكم والاجتهاد والدعم والمساندة .
أخيراً ..
هانحن نطوي صفحة عامنا الأول، ونهدي لكم العدد الثاني عشر، وكلنا رغبة في الاستمرار والتطور والنمو والازدهار، وهذا أقل ما يمكن كمثقفين أ، نقدمه إلى هذا الوطن الذي يستحق أن نقدم له كل ما بوسعنا، وما ليس بوسعنا أيضاً .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*