موضوعات المجلة

ROMA .. سيرة مكان في ذاكرة مبدع.

بقلم:

طارق الشرع

 

 

يتأسس العرض السينمائي الجيد على إيجاد مسارات متعددة تتيح له إمكانية الظهور بشكل مختلف، فالاختلاف وحده كفيلٌ بضخ الحياة وتجديدها في جسد العمل الفني، واليوم صارت وسائل التقنية تحتل الخيار الأول والأنجع لتحقيق الاختلاف والتميز بالشكل المطلوب.

من ضمن خيارات صناعة الفيلم، نشاهد اليوم توجه عدة تجارب سينمائية نحو إعادة إنتاج الماضي بألوان محدودة (أبيض – أسود)، وهي تقنية تبدو لأول وهلة متخلفة ولا تتناسب مع ما وصلت إليه تقنيات صناعة الفيلم السينمائي الحديث، الأمر الذي يطرح سؤال الجدوى من العودة إلى استخدام تقنية عتيقة رغم توفر إمكانية التصوير بألوان متعددة وجودة عالية.

من هنا نقترح عرض نموذج حديث، استخدم تقنية الألوان القديمة لإنتاجه (أبيض – أسود) ونال إشادة النقاد والمهتمين بعد أن حصد جوائز كبرى ويُنتظر منه انتزاع جوائز أكبر، ونتحدث هنا عن الفيلم المكسيكي ( روما ROMA ) .

الفيلم بطولة ياليتزا أباريسيو ومارينا تافيرا، تأليف وإخراج ألفونسو كوران.

 

تدور أحداث الفيلم في بداية السبعينيات من القرن المنصرم في إطار اجتماعي حول أسرة من الطبقة المتوسطة تعيش في مدينة مكسيكو بحي روما، يسرد الفيلم عاماً تقريباً من حياة الأسرة، وهي الفترة التي تواجه فيها الأسرة خطر الانفصال والتفكك بسبب نزوات الوالد الذي هجر عائلته واستقر في منزل آخر مع امرأة أخرى، في هذه الأثناء تواجه خادمة المنزل (كليو) مشاكل مماثلة وتتعرض للهجر من صديقها بعد أن علم بحملها، لتتشارك سيدة المنزل (صوفيا) والخادمة (كليو) الهموم، وتواجها مصيريهما بشجاعة بعد أن تلقت كل منهما الدعم من الأخرى.

تتمظهر أهم القيم التي يطرحها الفيلم ويتبنى جزءاً منها في إعادة إنتاج العلاقات بين فئات المجتمع المختلفة بفعل الممارسات الأخلاقية لشخوصه، فالأعمال الدنيئة والخسيسة في الفيلم لا تستند على المركز الاجتماعي ولا تنبثق من ثقافة التمييز فقط، بل تحدث بين أفراد نفس الطبقة أيضا ً، بالمقابل تتوطد العلاقة بين ضحايا الغدر رغم وجود حاجز اجتماعي مباشر يفصل بينها (سيدة – خادمة)، ولأن المحن أحياناً تلغي المسافات وتحطم الحواجز  ستجد السيدتان خلاص كل منهما في حياة الأخرى؛ حيث ستجد صوفيا خلاصها في دعم “كليو” والاهتمام بها أثناء الولادة، بالمقابل ستنقذ “كليو” نفسها بإنقاذ أطفال صوفيا من الغرق في المحيط رغم عجزها عن السباحة.

يتأسس الفيلم في تقديم رؤياه على طرح منظومة رمزية متكاملة تم تقديمها في صور بسيطة ومتجانسة وهو أمر بالغ التعقيد كما أتصور؛ فبمجرد زرع إشارات رمزية في فضاء العمل سيفتح أمامه إمكانيات إضافية تساعد في إثرائه، أحياناً يكون بالإمكان القبض على هذه الإشارات لكن لا يمكننا دائماً فك رموزها، بهذا يمكننا مثلاً رصد ملاحظة تتعلق بالإفراط في هدر المياه طيلة زمن فيلم (روما)، انطلاقاً من اللحظة الأولى في البداية حيث تتجمع المياه حول بالوعة الصرف في باحة المنزل، مروراً بغسل الملابس والصحون والاستحمام وإطفاء الحرائق في الغابة ومياه الأمطار؛ انتهاءً بالسباحة في مياه المحيط.

إن اهتمام كاميرا “روما” برصد كل هذه العمليات وتصويرها في لقطات متنوعة يثير أسئلة تتعلق بالرمز والمعنى، والرمز هنا معقد جداً بسبب التنوع في استخدامه، حيث أن الرمز نفسه هنا يعطي دلالات مختلفة اختلافاً عميقاً؛ فالمياه تقتل النار في الغابة، والبحر يهدد بقتل الأطفال، رغم أن المحيط يعيد للخادمة حياتها بعد أن فقدت طفلتها.

 

إن ترميز الأحداث البسيطة يدفعنا إلى بذل جهود مضاعفة تقوم على التوافق بين الحدث ووسائل تقديمه، الرمز أحياناً يختبيء خلف المسافات التي تفصلنا عن اللقطات الساكنة والمتحركة في الكادر، كحركة الطائرة في خلفية الشاشة في أكثر من مشهد، الطائرة في فيلم (روما) كانت تعني العودة إلى الداخل والعبور من حياة لأخرى، كما كانت تؤدي في ذات الوقت دوراً فنياً في تشكيل الصورة، حيث توزعت الصور المتحركة والساكنة في فـضاء الكادر على مستويات وأبعاد متفاوتة، حركة الطائرة في أقصى الكادر كانت تشاكس الحركة القريبة لصور متحركة أخرى كلقطة المياه المتجمعة في مشهد البداية، ولقطات ملامسة أطراف سيارة (الجلاكسي) لجدران المرأب أثناء إدخالها، اللقطات البعيدة والقريبة كانت تحقق توازناً على مستوى تشكيل كادر التصوير، مما أضاف قيمةً جمالية على الجانب البصري للمشاهد.

 

الكاميرا في الفيلم كانت أشبه بضابط الإيقاع في جوقة موسيقية جميلة، الكاميرا كانت تحاكي واقع الفيلم لتقود المتلقي نحو مسارات الأحداث وتحولاتها؛ ابتداءً من السكون وانتهاءً به، نحو السرعة والجنون في الشوارع والهدوء في الأماكن المغلقة، كاميرا (روما) بألوانها المحدودة لم تكتفِ بتصوير الأحداث ومتابعتها، بل كانت جزءاً منها لسبب هام تمثل في اقترابها من بيئة القصة وتجسيد أحداثها بمهنية فائقة الجودة، وهذا الأمر قطعاً لم يحدث بالصدفة، فمرده ،كما أعتقد، يتعلق بسيطرة (ألفونسو كوران) على تفاصيل هذا العمل انطلاقاً من كتابته لقصة الفيلم إلى جانب الإخراج، وصولاً إلى الخيار الفني المناسب، فقرار إنجاز العمل بألوان محددة (أبيض – أسود) إضافة إلى قرارات اتخذها مخرج العمل مهد كل ذلك لتشكل خصوصية عالم القصة بشكل مختلف ومتفرد.

إن تجربة الكتابة إلى جانب الإخراج بنفس الفيلم لم تكن الأولى في حياة “كوران” الفنية، وإنما هي سمة ميزته عن الآخرين،  فهذا المخرج اعتاد على كتابة الأفلام التي يخرجها، المميز هنا تمثل في تجسيد سيرة المكان والوجوه والشوارع والسيارات بهذه القدرة، وأظن أننا هنا نتحدث عن تجسيد جزء من الذاكرة البصرية لكوران نفسه، ونحن نعلم بأنه فعلاً ابن حي روما في مدينة مكسيكو، من هنا سيكون تأثير الكتابة إلى جانب الإخراج أكثر فاعلية وتميزاً؛ لانعكاس هذه الخاصية على إنتاج بعض المشاهد كمشهد خروج الخادمتين “كليو” و”أديلا” من البيت للقاء الصديقين في المطعم ثم التوجه للسينما، في هذا المشهد تسيطر على الخادمتين مظاهر الانتشاء والسعادة بشكل صاخب أثناء قيامهما بالتسابق على الرصيف المزدحم بالمارة والباعة للوصول إلى المطعم، للوهلة الأولى أحسست بأنني أتابع لوحة تشكيلية متكاملة بتفاصيلها الصغيرة ومعانيها البسيطة، لوحة تحاكي ثنائية الأبيض والأسود، الحياة والموت، الحركة والسكون، في هذا المشهد تطفو حركة الشابتين السريعة على السطح مخلفةً وراءها رتابة السوق الممتد على طول الشارع، حتى أن السيارة التي حاولت اجتياز الشارع الفاصل توقفت لإفساح الطريق أمامهما.

الرصيف بحراكه الهاديء كان أشبه بالخلفية البصرية والصوتية في الوقت ذاته؛ البصرية، لإبراز حركة الفتاتين وسط عدد كبير من الناس، والصوتية، للاستعاضة بأصوات الناس عن الخلفية الموسيقية المعتادة في مثل هذه المشاهد، الأمر الذي ساعد في اختصار المسافة بين الكادر وبيئة القصة، في حين كانت الكاميرا تطارد حركة الخادمتين وهي تتحرك بشكل أفقي وكأنها عين ترصد المشهد أو تستذكر تفاصيله، مشهد الخادمتين ببساطته قد يكون إرثاً حقيقياً من ذاكرة كوران البصرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*